شخصية تاريخية

عبد الله بها

وزير الدولة وحكيم السياسة المغربية

19542014
عبد الله بها

عبد الله بَها: حكيم السياسة وضميرها الذي أينع في ظلال إفران الأطلس الصغير

لا تُنجب إفران الأطلس الصغير أشجار النخيل والزيتون فحسب، بل تُنجب رجالاً يشبهون جبالها في الشموخ، وواحاتها في الهدوء والعطاء. ومن بين الأسماء التي نقشت حروفها من نور في الذاكرة الوطنية، يبرز اسم الراحل "عبد الله بها"، ابن الواحة البار، والقامة الوطنية التي جمعت بين رزانة العالم وحكمة السياسي.

جذورٌ ارتوت من هدوء الواحة وعمق الأطلس

وُلد عبد الله بها عام 1954 في أحضان إفران الأطلس الصغير، حيث تشرّب منذ طفولته الأولى قيم "تيرويت" (الالتزام والجدية) التي تميز أهل سوس. نشأ في بيئة تُقدس الكلمة وتُجلّ العلم، متأثراً بأجواء المدارس العتيقة والزوايا التي تملأ أرجاء الواحة. من صمت الجبال المحيطة بمسقط رأسه، استلهم ميزة "الصمت الناطق"؛ فكان قليل الكلام، واسع الإنصات، وعميق البصيرة، وهي صفات جعلت منه شخصية استثنائية في مشهد سياسي صاخب.

"حكيم" التوافقات ورجل الدولة

شقّ ابن إفران الأطلس الصغير طريقه في مسار دراسي وأكاديمي متألق في مجال الهندسة الزراعية، قبل أن ينخرط في العمل السياسي والجمعوي. ورغم وصوله إلى أعلى مراتب الدولة وتوليه منصب "وزير الدولة"، لم تُغير أضواء العاصمة الرباط من طابعه "الإفراني" الأصيل؛ ظل محتفظاً بتواضعه المعهود، وابتسامته الهادئة، وبُعد نظره.

لُقّب في الأوساط السياسية المغربية بـ "الحكيم" و "رجل التوافقات"، فقد كان بمثابة الميزان الذي يُرجّح كفة العقل في اللحظات الحرجة. لم يكن يبحث عن الأضواء والمنابر، بل كان يفضل العمل في الظل، يفكك الأزمات بحكمة استمدها من صبر أجداده الذين روضوا قسوة الطبيعة في الأطلس الصغير.

الإرث الخالد: من إفران إلى ذاكرة الوطن

في أواخر عام 2014، ترجّل الفارس الهادئ في حادث مفجع، تاركاً خلفه حزناً عميقاً، ولكن أيضاً إرثاً سياسياً وأخلاقياً قلّ نظيره. لقد برهن عبد الله بها على أن النخب التي تخرج من رحم الهامش ومن بين أزقة الواحات المنسية، قادرة على قيادة قاطرة الوطن ورسم معالم تاريخه.

لماذا نُوثق سيرته في الأرشيف؟

إن إدراج اسم "عبد الله بها" في السجل التوثيقي لإفران الأطلس الصغير ليس مجرد سرد لتاريخ سياسي، بل هو رسالة للأجيال القادمة. سيرته تُخبر شباب الواحة اليوم بأن الانطلاق من جذور هذه الأرض الطيبة، والتمسك بقيم النزاهة والعمل الجاد، هو السبيل لترك بصمة لا تُمحى في ذاكرة الوطن. لقد رحل الحكيم، لكن روحه ونهجه سيظلان منارةً تُضيء سماء إفران الأطلس الصغير.