شخصية تاريخية

مصطفى حجي

لاعب كرة قدم

1971
مصطفى حجي

تقديم

من بين جبال الأطلس الصغير، حيث الهواء نقيٌّ والأرض كريمة وأبناؤها أكرم، أطلّ على الدنيا فتىً لم يكن أحدٌ يتخيّل أنّه سيحمل يومًا اسم المغرب إلى أبعد الملاعب الأوروبية وأرقاها. إنّه مصطفى حجي، ابن إفران الأطلس الصغير، الذي أثبت للعالم أنّ المواهب لا تنبت في الملاعب الكبرى فحسب، بل تنبت أيضًا في السفوح الهادئة وبين القرى المتناثرة كالنجوم فوق جبال سوس. رجلٌ اختار وطنه على الإغراء، وصنع تاريخًا كرويًّا لا يُنسى.

المولد والنشأة — طفلٌ من الجبال

وُلد مصطفى حجي في السادس عشر من نوفمبر 1971 في إفران الأطلس الصغير بالمغرب. نشأ في كنف أسرة بسيطة بهذه المنطقة النائية التي طالما أنجبت رجالًا أكبر من حجم قراها. غير أنّ قدر الطفل الصغير سيقوده بعيدًا؛ إذ تربّى في فرنسا، وبدأ مسيرته الكروية مع نادي نانسي الفرنسي سنة 1991.

لم ينسَ مصطفى منذ الصغر جذوره الضاربة في أعماق إفران، تلك البلدة التي رسمت ملامح شخصيته، فكان الاختيار الكبير الذي سيصنع مساره بأكمله: أن يلعب للمغرب لا لفرنسا.

اختيار الوطن — قرارٌ بدّل مساره

كان المنتخب المغربي يُقيم معسكرًا تدريبيًّا في فرنسا استعدادًا لتصفيات كأس العالم 1994، حين اكتشف المسؤولون المغاربة اللاعب مصطفى حجي، وكان يلعب آنذاك مع نانسي الفرنسي، فأُعجب الجهاز الفني بمؤهلاته الفنية خصوصًا أنّ المنتخب كان بحاجة إلى صانع ألعاب بحجمه.

كان قراره باللعب لمنتخب المغرب سنة 1993 بدلًا من المنتخب الفرنسي، الذي سبق أن لعب في صفوف فئاته الصغرى، محطَّ اهتمام كبير من الإعلام الفرنسي والمغربي على حدٍّ سواء. لكنّ مصطفى حسم الأمر في صالح الأسود، وكأنّه أراد أن يقول للعالم: جذوري أقوى من الإغراء.

لم يخيّب حجي الآمال، وأبان عن مؤهلات فنية عالية وأحقّيته في حمل القميص الوطني، وقدّم أداءً رائعًا خصوصًا في المباراة الحاسمة ضدّ زامبيا التي كانت جواز السفر إلى المونديال الأمريكي.

المسيرة الاحترافية — رحلةٌ عبر عواصم الكرة

بعد أن أتمّ مصطفى حجي صنع اسمه في فرنسا، انطلق في رحلة احترافية طويلة جابت أرقى الدوريات الأوروبية. بدأ مسيرته الكروية مع نادي نانسي الفرنسي في عام 1991 ولعب له حتى 1996، وفي موسم 1996/1997 انتقل إلى نادي سبورتنغ لشبونة البرتغالي ولعب له 27 مباراة سجّل خلالها 3 أهداف.

في عام 1997 انتقل إلى نادي ديبورتيفو لاكورونا الإسباني، حيث خاض 31 مباراة وسجّل هدفين، وتُعدّ تلك الفترة من ذروة توهّجه الكبرى.

بعد ثلاثة مواسم مع ديبورتيفو قرّر حجي مغادرة الليغا والانتقال إلى نادي كوفنتري سيتي الإنجليزي، وشارك معه في 62 مباراة سجّل خلالها 12 هدفًا. وعن تجربته في الدوري الإنجليزي الممتاز قال: كرة القدم بمثابة الديانة هناك، وخلال أيام الأحد تتواجد عائلات بأكملها في الملاعب لمتابعة المباريات.

في عام 2001 انتقل إلى نادي أستون فيلا الإنجليزي ولعب له حتى 2004 مشاركًا في 35 مباراة. ثمّ انتقل في صيف 2004 إلى إسبانيول بعقد حرّ ولعب 16 مباراة، تبعتها رحلة خليجية مع الإمارات الإماراتي سنة 2005، ثمّ عودة أوروبية من بوابة ساربروكن الألماني وبعدها فولا إستش اللكسمبورجي قبل الاعتزال سنة 2010.

المنتخب المغربي — قلبٌ لا يتعب

على امتداد أكثر من عقد، كان مصطفى حجي هو الروح التي تسري في جسد المنتخب المغربي. لعب مع المنتخب المغربي بين عامَي 1993 و2004، وشارك في أزيد من 60 لقاءً دوليًّا سجّل خلالها 13 هدفًا.

في مونديال 1994 بالولايات المتحدة خطا خطواته الأولى على أرض البطولة الكبرى، وكان صاحب التمريرة الحاسمة لهدف حسن ناظر ضدّ هولندا.

أمّا في مونديال 1998 في فرنسا فكان حجي أبطاليًّا بامتياز؛ تألّق في المباراتين ضدّ النرويج حيث سجّل الهدف الأول في المباراة التي انتهت 2-2، وضدّ اسكتلندا في الفوز المدوّي 3-0. وعن هدفه أمام النرويج قال بنفسه: لم تخسر النرويج في 16 مباراة وكانوا المرشّحين للفوز. ركضتُ والكرة بين قدميّ حوالي 60 مترًا قبل أن أسجّل. لقد كان أحد أكثر الأهداف إثارة مع المنتخب الوطني.

عام 1998 — السنة الذهبية

سنة 1998 ليست مجرّد تاريخ في مسيرة مصطفى حجي، بل هي علامةٌ فارقة في تاريخ الكرة المغربية والإفريقية بأسرها. في تلك السنة الاستثنائية جمع حجي بين إنجازات نادرًا ما يحقّقها لاعبٌ واحد في موسم واحد.

حصل على الكرة الذهبية الأفريقية كرابع مغربي ينال هذا الشرف بعد أحمد فرس 1975 ومحمد التيمومي 1985 وبادو الزاكي 1986. كما حاز جائزة أحسن لاعب في كأس أمم إفريقيا 1998.

وفي تلك البطولة القارّية سجّل واحدًا من أجمل الأهداف في تاريخها؛ هدفٌ بالمقصّية في مرمى منتخب مصر في الدقيقة التسعين، أمام أقوى دفاع في البطولة، هدفٌ لا يزال حيًّا في ذاكرة كل محبٍّ للكرة.

الأسطورة لا تنتهي — التكريم الإفريقي

تمّ منح مصطفى حجي جائزة اللاعب الأسطورة ليدخل ضمن اللاعبين الأسطوريين في القارة السمراء، وقد نال هذا اللقب سنة 2011 خلال حفل كبير نظّمه الاتحاد الإفريقي على شرف نجوم القارة السمراء.

كما عُيّن سفيرًا لكأس العالم بجنوب أفريقيا 2010 رفقة أساطير القارة كعبيدي بيليه وجورج وياه وحسام حسن وروجيه ميلا وكالوشا بواليا. اسمٌ مغربيٌّ يُذكر جنبًا إلى جنب مع أكابر أساطير القارة.

ما بعد الاعتزال — العطاء مستمرٌّ

لم يضع مصطفى حجي حذاءه الكروي ليجلس في غرفة الذكريات. بعد اعتزاله اتجه إلى التدريب، وشغل منصب المدرب المساعد للمنتخب المغربي في عدة فترات، إلى جانب مدربين كبادو الزاكي وهيرفي رونار ووحيد خليلوزيتش، كما خاض تجربة تدريبية في قطر.

وهكذا واصل حجي تقديم خبرته ورؤيته لأجيال المستقبل، مؤكّدًا أنّ اللاعب الحقيقي لا يعتزل حقًّا، بل يتحوّل.

خاتمة — ابنٌ أعزّ الوطن فأكرمه التاريخ

مصطفى حجي ليس مجرّد لاعب كرة قدم نجح في الملاعب الأوروبية. هو قصّةٌ بكاملها؛ قصّة ابنٍ وُلد في قرية صغيرة بين جبال الأطلس الصغير، واختار أن يحمل اسم المغرب حين كان بإمكانه أن يختار غيره، فكافأه الوطن بأن جعل اسمه خالدًا في سجلاّت تاريخه الكروي.

من إفران الأطلس الصغير إلى ملاعب إنجلترا وإسبانيا والبرتغال، ومن المقصّية التي أبكت مصر إلى الكرة الذهبية الإفريقية، مصطفى حجي أسطورةٌ نبتت في أرض الجبال وارتفعت حتى لامست السماء. وهو اليوم أحد أبرز الوجوه التي تحمل إفران الأطلس الصغير على خارطة العالم.

معرض الصور

مصطفى حجي
Narrative_01
View All