تقديم
حين يحمل المرء لقبًا ثقيلًا كلقب "حجي"، وحين يُقارَن في كل خطوة بأخ كبير صنع التاريخ وفاز بالكرة الذهبية الإفريقية، يصبح الطريق أمامه إما مقبرةً للحلم أو فرصةً نادرة لإثبات أنّ الموهبة ليست حكرًا على أحد. اختار يوسف حجي المسار الثاني. ابن إفران الأطلس الصغير، الشقيق الأصغر لأسطورة مصطفى، لم يسكت في ظلّ الاسم الكبير بل قرّر أن ينحت اسمه بنفسه في صخرة الكرة المغربية. ونجح.
المولد والنشأة — إفران تُنجب مرّتين
وُلد يوسف حجي في الخامس والعشرين من فبراير 1980 في إفران الأطلس الصغير بالمغرب، تلك المنطقة الجبلية الهادئة التي أنجبت أخاه الأكبر مصطفى قبله بتسع سنوات. كأنّ إفران قرّرت أن تُعيد الكرّة، وتُهدي كرة القدم المغربية ثنائيًّا أصيلًا من صلب جبالها.
نشأ يوسف في كنف عائلة عشقت الكرة وتنفّست عطرها، وكان أخوه مصطفى نموذجًا أمامه يومًا بيوم؛ رجلٌ يركض في الملاعب الفرنسية، ويُضيء القميص الأحمر والأخضر للمنتخب المغربي. لكنّ يوسف لم يكتفِ بالمشاهدة، فانطلق هو الآخر بحثًا عن ملعبه الخاص.
الانطلاقة — نانسي البداية والحبّ الأوّل
بدأ يوسف حجي مسيرته الاحترافية مع نادي نانسي الفرنسي في عام 1998، وهو النادي ذاته الذي فتح أبوابه لأخيه مصطفى قبل سنوات. وكأنّ نانسي أراد أن يُكمل رسالة الأسرة الإفرانية، فضمّ الشقيق الأصغر ليواصل ما بدأه الأكبر.
خلال سنواته الأولى مع نانسي بين 1998 و2003 أثبت يوسف أنّه ليس مجرّد اسم مستعار، بل مهاجمٌ حقيقي قادر على إيجاع الدفاعات والتسلّل إلى شباك الخصوم. شارك في 95 مباراة سجّل خلالها 13 هدفًا، وطبع بصمته في الدوري الفرنسي بسرعته وحسّه التهديفي.
المسيرة الاحترافية — رحلةٌ في قلب فرنسا
بعد انتهاء مرحلته الأولى مع نانسي انتقل يوسف حجي في عام 2003 إلى نادي باستيا الفرنسي، حيث كان الأداء لافتًا وموسمان مميّزان؛ إذ شارك في 62 مباراة وسجّل 13 هدفًا، وأثبت أنّ مستواه كان في ارتفاع مستمر.
في عام 2005 انتقل إلى نادي ستاد رين الفرنسي وشارك معه في 28 مباراة سجّل خلالها 3 أهداف. ثم عاد إلى قلبه الأول نادي نانسي بين 2007 و2011 ليكمل فصلًا جديدًا من قصّة حبٍّ لم تنتهِ.
وخاض بعدها تجربتين خارج فرنسا؛ مع نادي العربي القطري سنة 2012، ومع نادي إلازيغسبور التركي سنة 2013 الذي لم يكتمل بسبب خلافات مالية، قبل أن يعود مجدّدًا إلى نانسي سنة 2014 حيث لعب موسمه الأخير مع الفريق الذي أحبّه قلبه.
وحين رحل يوسف عن نانسي نهائيًّا، كان قد سجّل 85 هدفًا في 347 مباراة مع الفريق، ليُصبح هدافه التاريخي الثاني خلف النجم الفرنسي الأسطوري ميشيل بلاتيني. وَسامٌ لا يُقدَّر لأيّ لاعب.
مع المنتخب المغربي — 64 مباراةً من القلب
على الصعيد الدولي كان يوسف حجي واحدًا من أعمدة المنتخب المغربي في سنواته المشرقة مطلع الألفية الثالثة. خاض 64 مباراة دولية مع أسود الأطلس وسجّل 16 هدفًا، ليُصبح العاشر في قائمة أكثر هدّافي المنتخب المغربي في التاريخ.
كان يوسف يُكمل ما بدأه شقيقه مصطفى؛ فبينما أضاء الأخ الأكبر تسعينيات الكرة المغربية، حمل الأصغر المشعل في مطلع الألفية الجديدة وكان ركيزةً في هجوم المنتخب في مرحلة كاملة.
كأس أمم إفريقيا 2004 — ذروة التألق
إن كان لحياة يوسف حجي مع المنتخب لحظةٌ ذهبية لا تُنسى، فهي بلا شكّ نسخة كأس أمم إفريقيا 2004 التي استضافتها تونس. في تلك البطولة كان يوسف نجمًا حقيقيًّا قاد المغرب في مشوار تاريخي وصل إلى النهائي.
سجّل هدف الفوز المغربي على نيجيريا في دور المجموعات 1-0 في بداية مبهرة للبطولة. وفي ربع النهائي أمام الجزائر سجّل الهدف الثاني في الوقت الإضافي بعد أن انتهى الوقت الأصلي بالتعادل، ليُقرّر مصير مباراة مصيرية. وفي نصف النهائي أمام مالي الذي انتهى برباعية نظيفة 4-0 سجّل يوسف أحد أهداف ذلك الاحتفال الكبير.
وعن هدفه في مرمى الجزائر قال يوسف: "لحظة تسجيل الهدف لا تزال عالقة بذاكرتي حتى اليوم، لأنه منحنا التفوق في لقاء مصيري وقوي أمام منتخب كبير، وهذه اللحظة لا توصف، لا أزال أتذكرها كلما لعبت مع المنتخب المغربي."
انتهى المشوار في النهائي بخسارة مؤلمة أمام تونس البلد المضيف 2-1، لكنّ البطولة كلّها كانت شاهدةً على أنّ يوسف حجي ليس ظلًّا لأحد، بل نجمٌ يُضيء بنوره الخاص.
رجلٌ في سن 36 يقود الصعود
من أبرز فصول مسيرة يوسف حجي أنّه في سنّ السادسة والثلاثين قاد نادي نانسي للصعود إلى الدرجة الأولى من الدوري الفرنسي، وكان في تلك المرحلة ثالث أفضل لاعب في الليغ 2 الفرنسية وفق إحصاءات المواقع المتخصصة، وضمن أبرز هدّافي المسابقة. برهانٌ قاطع على أنّ الحجي لا يشيخ، وأنّ الموهبة الحقيقية لا تعرف سنًّا.
بعد الاعتزال — المدرّب في طريقه
لم يُغلق يوسف حجي باب العطاء حين اعتزل الملاعب. عيّنه الاتحاد المغربي لكرة القدم مدرّبًا مساعدًا للمنتخب الأولمبي المغربي، رفقة المدرب عصام الشرعي، وذلك قبل نهائيات كأس أمم إفريقيا لأقل من 23 عامًا المؤهِّلة للألعاب الأولمبية. وقد حصل على عدد من الدبلومات في التدريب من المغرب وفرنسا، ساعيًا بعزم لاستكمال مساره في الجانب التقني.
أسرةٌ واحدة، ملعبٌ واسع
قصّة يوسف وأخيه مصطفى واحدةٌ من أجمل القصص في تاريخ الكرة المغربية؛ شقيقان من إفران الأطلس الصغير، كلاهما احترف في نانسي الفرنسي، وكلاهما لبس القميص الوطني بشرف، وكلاهما واصل العطاء بعد الاعتزال مدرّبًا ومساعدًا. كأنّ هذه العائلة وُجدت لتخدم الكرة المغربية جيلًا بعد جيل.
خاتمة — يوسف لم يكن الأصغر فحسب
يوسف حجي لم يكن مجرّد الشقيق الأصغر لمصطفى. كان مهاجمًا كاملًا، وطنيًّا صادقًا، وصانعَ تاريخٍ بامتياز. ستة عشر هدفًا مع المنتخب، وثلاثة أهداف في نهائيات كأس إفريقيا 2004، و85 هدفًا مع نانسي في 347 مباراة، ومسيرة امتدت قرابة عشرين عامًا دون أن تفقد بريقها.
من جبال إفران الأطلس الصغير، أخرجت هذه الأرض المباركة شقيقَين صنعا معًا حقبةً ذهبية من الكرة المغربية. والتاريخ لا ينسى من بذلوا، ويوسف حجي بذل كثيرًا.




