جامعة الأطلس الصغير ومنارة الإشعاع الحضاري
تقف مدرسة "تنكرت" العتيقة كواحدة من أعظم القلاع العلمية في منطقة سوس والجنوب المغربي، والشاهد الأكبر على المجد الفكري لواحة إفران الأطلس الصغير. لم تكن هذه المؤسسة يوماً مجرد زاوية لتعليم القراءة والكتابة، بل شكلت صرحاً وطنياً حياً يختزل ذاكرة سوس العلمية. لقد بلغت من الرفعة والمكانة حداً جعل العلامة والمؤرخ المختار السوسي يقارنها في بعض كتاباته بجامعتي "السوربون" الفرنسية و"أوكسفورد" البريطانية من حيث قيمتها الأكاديمية وعمق تحصيلها، وإن كانت جدرانها الطينية أقل ارتفاعاً.
الموقع والجغرافيا: سحر المكان وعبقرية الاختيار
تقع مدرسة "تنكرت" العتيقة في جماعة إفران الأطلس الصغير، التابعة لإقليم كلميم بجهة كلميم-واد نون. وقد اختير لها موقع جغرافي بالغ الدلالة والروعة؛ إذ تتربع على هضبة صخرية مشرفة غرباً على وادي "إفران" (الذي لُقب بـ "وادي الأدباء" أو "وادي العلماء")، وتحدها جنوباً مقبرة "سيدي محمد أباراغ" التابعة لدوار "الحندق".
لم يكن اختيار هذا الموضع اعتباطياً، بل جمع بين القرب من مجاري المياه والواحات الخصبة، والبعد عن صخب التجمعات السكنية، مما يوفر إطلالة بانورامية مراقبة لجنبات الوادي وعزلة هادئة تليق بطلبة العلم. وقد خلّد العلامة المختار السوسي هذا الجمال الطبيعي واصفاً إقامته فيها (بين سنتي 1333 و1336 هـ)، حيث كان يسمع خرير المياه يتدفق من كل جانب في الليالي الهادئة، ولا تقع عيناه في النهار إلا على خضرة مزدهرة تسر الناظرين وتلهم العقول.
التأسيس والجذور التاريخية: بين الروايات والوثائق
تُعدّ "تنكرت" من أقدم المدارس العلمية العتيقة في سوس. ورغم الاختلاف في تحديد التأسيس الأول بدقة، تشير بعض الروايات إلى أن جذورها تمتد إلى القرن الخامس الهجري، استناداً إلى وجود ضريح رجل يُعرف بـ "أبو الغريب" في المقبرة المجاورة.
أما التوثيق التاريخي الثابت واليقيني، فيعود بها إلى القرن التاسع الهجري. ويستند الباحثون في ذلك إلى وجود الشيخ "سيدي محمد أباراغ الإفراني" بالمدرسة، والذي ألّف داخل جدرانها منظومته الشهيرة "رجز المبنيات"، وذيلها بتاريخ الانتهاء منها سنة 920 هجرية. وتُرجح الروايات التاريخية أن بناء المدرسة الفعلي بشكلها المؤسساتي كان قرابة سنة 850 هجرية على يد الشيخ أباراغ، بينما يميل المختار السوسي إلى احتمال أن المدرسة كانت قائمة قبله، فقام الشيخ بإحيائها وتجديد التدريس بها.
صدارة لا تُنازع بين مدارس إفران
تعددت القلاع العلمية في إفران الأطلس الصغير، إلا أن الباحثين أجمعوا على تصدر مدرستين عظيمتين للمشهد التعليمي: "المدرسة التنكرتية" (نسبة إلى دوار تنكرت) و"المدرسة الأمسراوية" (نسبة إلى قصر أمسرا). ورغم بلوغ كلتيهما مستوىً علمياً رفيعاً، إلا أن "التنكرتية" ظلت الأعظم شأناً، والأوفر عطاءً، والأرسخ مجداً في الذاكرة السوسية، لتكون هي القلب النابض للحركة الفكرية في الواحة.
الإشعاع الأدبي والإنتاج الشعري الغزير
شهدت المدرسة في أزمانها الزاهرة حراكاً أدبياً غير مسبوق، وتميزت بإنتاج شعري غزير وُصف بالرقة والسلاسة وامتداداً للروح الأندلسية في صياغته ونَفَسه. وقد قُدِّر ما أبدعه خريجوها وشعراؤها بقرابة 38,000 بيت شعري، وهو رقم مهول وصفه العلماء بأنه يتجاوز مجموع الشعر الجاهلي مرات عدة.
كان الجو العلمي داخل المدرسة مفعماً بالجد والمثابرة؛ حيث يسهر الطلاب على دراسة أمهات الكتب والمؤلفات الكبرى مثل كتاب "العقد الفريد"، ويعقدون مجالس المذاكرة العميقة في مشاهد تحاكي كبريات المؤسسات الأكاديمية العالمية. ولم يقتصر إشعاعها على الداخل، بل تفرعت عنها وتأثرت بها مدارس عتيقة أخرى عبر سوس، من أبرزها "مدرسة إليغ" التاريخية الشهيرة.
أعلام ورموز تخرجوا من رحم تنكرت
أنجبت المدرسة جيلاً بعد جيل من فحول العلماء، الفقهاء، والأدباء الذين بصموا الحياة الثقافية المغربية، وربطوا جنوب المغرب بشماله فكرياً. من أبرز خريجيها:
- العلامة محمد المختار السوسي: صاحب موسوعة "المعسول" و"سوس العالمة"، الذي قضى فيها أربع سنوات نحتت شخصيته العلمية قبل أن يكمل مسيرته في مراكش وفاس.
- داوود الرسموكي: أحد كبار رواد الأدب السوسي.
- محمد الطاهر الإفراني: العالم والأديب البارز والمفتي المقتدر.
- عبد الرحمان البويزكارني: من أبرز خريجي المدرسة في حقبتها الذهبية.
النظام الاجتماعي والهندسة المعمارية
استمرت المدرسة بفضل هندستها المعمارية الطينية البسيطة والوظيفية التي تلاءمت مع بيئة الأطلس الصغير وتضمنت "غرفاً" للطلبة ومسجداً كبيراً للتلقين. كما اعتمدت في استدامتها على نظام "الأوقاف" ونظام "المؤونة" (أو الراتب)، حيث تكفلت أسر قصر تنكرت والقصور المجاورة بإطعام الطلبة الغرباء، في أبهى تجليات قيم "تيويزي" (التضامن الجماعي) التي ميزت قبائل إفران.
المدرسة اليوم: المرحلة الراهنة والهيكل الدراسي
لم تفقد المدرسة إشعاعها رغم مرور أكثر من ستة قرون. ومنذ عام 1994م، تسلم إدارتها الفقيه والعلامة مولود السريري (المولود بقرية تعلات باشتوكة آيت باها)، والذي يُعد اليوم من أبرز المراجع العلمية الشرعية واللغوية في المنطقة. بفضل إدارته، حافظت المدرسة على موروثها مع الانفتاح على المستجدات العصرية.
تجمع مدرسة تنكرت في هيكلها الحالي بين التعليم العتيق الأصيل والتعليم النظامي الحديث تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. وتضم ثلاثة أسلاك دراسية متكاملة تؤهل الطالب لاجتياز امتحانات "الباكالوريا"، مما يفتح أمامه أبواب الالتحاق بمختلف الجامعات المغربية.
الدور الحضاري والمكانة التراثية
تمثل مدرسة تنكرت العتيقة نموذجاً حياً للتعليم الإسلامي العريق، وتلعب دوراً محورياً في الحفاظ على الهوية الثقافية والدينية في الجنوب المغربي. إنها ليست مجرد أطلال من الماضي، بل هي شعلة مستمرة تعمل على تأهيل الأجيال، ونشر قيم التعايش والانفتاح العلمي في محيطها الواحي. من جدرانها المتواضعة خرج علماء كتبوا تاريخ المغرب بالأدب والفقه، تاركين ميراثاً خالداً تتمسك به إفران الأطلس الصغير وتفخر بتقديمه للعالم.